صحة الأطفال والمراهقين 28 Oct 2026 5 دقائق قراءة

كيف نربي طفلًا قادرًا على التعبير عن مشاعره دون خوف أو خجل؟

الدكتور يوسف الروّاش
بقلم: د. يوسف الراعوش مستشار الطب النفسي وعلاج الإدمان | البورد الأوروبي والأردني
كيف نربي طفلًا قادرًا على التعبير عن مشاعره دون خوف أو خجل؟

قد يعود طفلك من المدرسة غاضبًا، أو يبكي بسبب موقف يبدو بسيطًا، أو يرفض الحديث عمّا حدث معه. وربما تكون أول ردة فعل لديك هي أن تطلب منه أن يتوقف عن البكاء، أو أن تتهمه بالمبالغة، أو أن تقول له: «أنت زلمة، ما بصير تبكي» أو «خلص، الموضوع ما بستاهل».

هذه العبارات قد تبدو عادية في الحياة اليومية، لكنها قد تعلّم الطفل تدريجيًا أن بعض مشاعره غير مقبولة، وأن عليه إخفاءها حتى ينال رضا الآخرين.

إن تربية طفل قوي نفسيًا لا تعني أن نمنعه من الحزن أو الخوف أو الغضب، بل أن نساعده على فهم مشاعره والتعبير عنها والتعامل معها بطريقة مناسبة.

لماذا يحتاج الطفل إلى التعبير عن مشاعره؟

الطفل لا يمتلك منذ البداية القدرة الكاملة على فهم ما يشعر به أو تنظيم انفعالاته. هذه مهارات تتطور تدريجيًا، وتتأثر بعمره وخبراته وطريقة استجابة الأشخاص المحيطين به.

عندما يجد الطفل شخصًا بالغًا يستمع إليه ويساعده على تسمية مشاعره، فإنه يبدأ في فهم الفرق بين الشعور والسلوك.

فالغضب شعور طبيعي، لكن الضرب ليس سلوكًا مقبولًا. والحزن شعور طبيعي، لكنه لا يعني أن الطفل ضعيف. والخوف ليس عيبًا، بل قد يكون إشارة إلى أنه يحتاج إلى الطمأنينة أو المساعدة.

خمس خطوات تساعد طفلك على التعبير عن مشاعره

1. استمع قبل أن تقدّم الحلول

إذا قال طفلك إن أحد زملائه لم يلعب معه، فلا تسارع إلى إخباره بأن عليه تجاهل الأمر أو أن الأطفال يتشاجرون دائمًا.

ابدأ بسؤاله: «شو صار معك؟» أو «كيف حسّيت لما صار هيك؟».

أحيانًا يحتاج الطفل إلى أن يشعر بأنه مسموع قبل أن يكون مستعدًا لسماع النصائح.

2. سمِّ الشعور بدلًا من إنكاره

يمكنك أن تقول: «مبين عليك إنك زعلان» أو «يمكن حسّيت بالإحراج لما صار هالموقف».

لا يعني ذلك أنك تعرف مشاعره أكثر منه، لذلك اترك له مساحة ليصحح لك: «لا، أنا مش زعلان، أنا معصب».

هذه الحوارات تساعده على بناء مفردات عاطفية يفهم بها نفسه ويشرح للآخرين ما يمر به.

3. تقبّل المشاعر، وضع حدودًا واضحة للسلوك

من المهم أن يعرف الطفل أن بإمكانه الغضب، لكنه لا يستطيع إيذاء الآخرين.

يمكنك أن تقول له: «من حقك تزعل، وأنا رح أسمعك، بس ما بنسمح بالضرب. خلينا نحكي شو اللي ضايقك».

بهذه الطريقة، لا يشعر الطفل أن مشاعره مرفوضة، وفي الوقت نفسه يتعلم تحمل مسؤولية تصرفاته.

4. لا تحوّل كل حديث إلى محاضرة

إذا شعر الطفل أن كل مرة يتحدث فيها عن مشاعره ستنتهي بتوبيخ أو نصائح طويلة، فقد يتوقف عن مشاركة ما يحدث معه.

اختر كلمات بسيطة تناسب عمره، وامنحه وقتًا للتحدث. ليس مطلوبًا أن تحل كل مشكلة فورًا؛ أحيانًا يكفي أن تكون موجودًا بجانبه حتى يهدأ.

5. كن قدوته في التعبير عن المشاعر

الأطفال يتعلمون كثيرًا من الطريقة التي يتعامل بها الكبار مع انفعالاتهم.

عندما تقول: «أنا متضايق الآن، رح آخذ شوي وقت حتى أهدأ وبعدين نحكي»، فأنت تعلّم طفلك أن المشاعر لا تحتاج إلى صراخ أو أذى حتى يتم التعبير عنها.

ومن المفيد أيضًا أن تعتذر عندما تخطئ، لأن الاعتذار لا يقلل من مكانتك كأب أو أم، بل يقدّم للطفل نموذجًا صحيًا لتحمل المسؤولية.

ماذا نفعل عندما يرفض الطفل الحديث؟

لا تضغط عليه ليحكي فورًا، خصوصًا إذا كان منزعجًا بشدة. أخبره أنك موجود عندما يكون مستعدًا، وحافظ على هدوئك قدر الإمكان.

يمكنك العودة إلى الحديث لاحقًا خلال نشاط مشترك، مثل المشي أو الرسم أو تناول الطعام. فبعض الأطفال يجدون الحديث أسهل عندما لا يشعرون أنهم تحت المجهر.

إذا استمر الانسحاب أو الخوف الشديد أو الانفعالات المؤثرة في حياة الطفل اليومية، فقد يكون من المناسب استشارة مختص نفسي للأطفال لتقييم احتياجاته ومساندة الأسرة.

هل التعبير عن المشاعر يجعل الطفل أكثر حساسية؟

على العكس، الهدف ليس أن يصبح الطفل أسيرًا لكل شعور، بل أن يتعلم التعامل معه بدلًا من كتمانه أو الانفجار بسببه.

الطفل الذي يتعلم أن الحزن يمكن الحديث عنه، وأن الغضب يمكن تنظيمه، وأن طلب المساعدة ليس عيبًا، يكتسب أدوات تساعده على بناء علاقات أفضل والتعامل مع الضغوط مستقبلًا.

رسالة لكل أب وأم: عندما تمنح طفلك مساحة آمنة ليعبّر عن مشاعره، فأنت لا تربي طفلًا ضعيفًا، بل تساعده على بناء علاقة صحية مع نفسه ومع الآخرين.

مشاركة هذا المقال الطبي:

هل تبحث عن استشارة نفسية متخصصة ومضمونة السرية؟

يسعدنا استقبال استفساراتكم وحجز موعد استشارة مع د. يوسف الروّاش في عياداتنا (عمان - الزرقاء) أو عبر الاستشارة المرئية عن بُعد.

مقالات ذات صلة قد تهمك:

لماذا نكرر العلاقات المؤذية رغم معرفتنا بأنها تتعبنا نفسيًا؟
لماذا نكرر العلاقات المؤذية رغم معرفتنا بأنها تتعبنا نفسيًا؟
قراءة المقال
إرضاء الآخرين على حساب نفسك: متى يتحول اللطف إلى استنزاف نفسي؟
إرضاء الآخرين على حساب نفسك: متى يتحول اللطف إلى استنزاف نفسي؟
قراءة المقال
جلد الذات والتفكير السلبي: لماذا نكون قساة على أنفسنا؟
جلد الذات والتفكير السلبي: لماذا نكون قساة على أنفسنا؟
قراءة المقال